كانت دعوة مثمرة تلقيتُها من المركز الثقافي في
بلدة صدد قبل اسبوع ونيف، وهذه الاخيرة بقعة جغرافية صغيرة تعج بالمتعلمين
والمتخصصين في حقول علمية متعددة، اضافة الى وجود عدد من المثقفين والكُتّاب المتحدرين
من اتجاهات ومرجعيات سياسية وايديولوجية متعددة ومتنوعة. وقد جرى اختيار عنوان
المحاضرة وفق مقتضيات الواقع العربي، بمعظم تجلياته المعاصرة، فكان على النحو
التالي: أَما زال انجاز مشروع عربي في النهضة والتنوير محتملا? والحق، ان هذا
الموضوع يرى البعض فيه حلبة مفتوحة لنقاش فكري ليس من الضروري ان يُفضي الى نتائج
يمكن ادراجها في حقل مقارب للصّدقية المعرفية والمنطقية، فهو - بمقتضى ذلك- موضوع
سجال ايديولوجي غير مشروط بمقولة الصدقية هذه، وانما بمقولة الانحياز الايديولوجي
لموقف او لمجموعة مجتمعية ما، سواء تحدرت من مرجعية سياسية او اخرى.
وفي اساس الامر، لم نختر ان نكتب في هذه
المقالة حول مشروع عربي ما محدد في ضوء الحراك التاريخي، بل نحن نجد انفسنا الآن
في هذا الحقل النهضوي، الذي كان مدخلا الى موضوع المحاضرة المنوه بها، منطلقا من
باب البحث العلمي في العالم العربي »وهو واحدة من إشكاليات الحقل المذكور«، اذا،
سنواجه ها هنا سؤالا يتصل بالعلم وبالبحث العلمي في واقع الحال العربي الراهن،
انطلاقا من عدد من المعطيات، التي نشرها صندوق البنك الدولي بعنوان: الميزانيات
العربية المكرّسة للبحث العلمي والمنشورات العلمية، وأتت على بثها واستعراضها قناة
الجزيرة الفضائية القطرية مساء يوم الجمعة الواقع في 17/7/من هذا العام.
نحن لا نسعى هنا للتهويل بخطورة تلك المعطيات
بلغة مأساوية كارثية، بقدر ما نهدف من ذلك الى وضعها في سياقها العربي، الذي
اصطلحنا عليه في كتابة سابقة بـ »الحطام العربي المفتوح«. وما نعنيه بذلك انما هما
رقمان اثنان يحدد اولهما نسبة الانفاق العربي على البحث العلمي، في حين يحدد
ثانيهما نسبة الانفاق على توزيع وتعميم المنشورات العلمية في المواقع العلمية
المعنية، كما في اوساط الشعب بهدف الإسهام في التنوير العلمي العمومي.
أما الرقم الاول فهو من المائة بنسبة 0.4%،
ويتناقص هذا الرقم بكيفية مريعة، حين يتصل بالانفاق على المنشورات، فيصير 0.07%.
وكما يلاحظ، فان الميزانيات العربية المكرّسة للحقلين المذكورين يكاد يكون صفرا
مفتوحا او ما قبل صفر مفتوح. وبالمقارنة مع بلدان اخرى كانت قبل حين في عداد
العالم الثالث او الرابع، يظهر ان إنفاق مصر على البحث العلمي »وهي البلد الاضخم
عربيا« ليس هو اكثر من 0.05%، بالقياس مع ما تنفقه كوريا الشمالية وهو 5%.
فإذا ما وضعنا ذلك في موضعه العربي وبالتوازي
مع ما يحدث في عوالم اخرى، فإننا - عبر مقايسات منطقية وثقافية- سنصل الى ما عبّر
عنه البعض من الكُتّاب العرب وغيرهم تحت حدّ »الخروج من التاريخ«.
ولما كان المنهج الذي نستخدمه في هذه الشؤون
وغيرها ذا بُعد تاريخي، فقد تمكنّا من تجاوز ذلك الحدّ العدمي الشكلي »نسبة الى
المنطق الشكلي او الصوري« واحتفظنا بإمكانية البقاء في التاريخ عبر اكتشاف
»تاريخية« الحطام المذكور واحتمالية تجاوزه.









