الأردن سوريا لبنان فلسطين العراق الكويت السعودية عُمان اليمن البحرين الإمارات قطر مصر السودان ليبيا المغرب الجزائر تونس جيبوتي الصومال جزر القمر موريتانيا
 

بحث:

 

حكاية التعليم العالي في العراق/ خضر عباس عطوان

 

26 أيلول 2009

ان فيض الحرية الذي ننعم به دستوريا، وكما أملت قيادات التغيير عام 2003، ليغدق بنا، ويدفعنا إلي تناول كل ما موجود حتى نصل إلى حياة أساسها العدل الاجتماعي والرفاهية. وبعد تجربة مريرة خاضها العراق والعراقيين من اجل الرأي والرأي الآخر، ومحاولات اقتراب مما وصلته التجارب الديمقراطية الراسخة من تقديس للمقولة: قد نختلف، الا إني سأقاتل من اجل ان تبدي رأيك. في هذا المقال لن يكون الحال إلى ذاك المستوى، انما هو معالجة لطرح قائم منذ مدة ليست بالقصيرة، الا وهو استقلالية الجامعات في العراق، ومدى النضج الذي حضي به الموضوع. ووجهه الآخر.هو تضخم أعمال وزارة التعليم العالي إلى درجة باتت تخيم كظل ثقيل، وأحيانا معرقل للعمل العلمي بفعل إجراءاتها الإدارية التي (الإدارة) لن تتفق ومرونة العملية العلمية. وقد شجعني على المواصلة في نهج البحث في هذا الموضوع ما لقيته من مباركات ما تدريسيين أعزاء، ورغبة للبعض في تطوير العملية التعليمية على نحو جاد.

لنقرأ بعضا من نصوص عمل وزارة التعليم العالي في العراق، وهو ما سنجده في قانون الوزارة رقم (40) لسنة 1988 المعدل، حيث سنجد الآتي:

المادة ــ 2: تهدف الوزارة إلي إحداث تغييرات كمية ونوعية في الحركة العلمية والتقنية والثقافية وتوجيه المؤسسات التعليمية والبحثية لتكون مترجمة لنظرية العمل البعثية بما يحقق التفاعل المستمر بين الفكر والممارسة باتجاه تحقيق الأصالة والرصانة العلمية والتفاعل مع التجارب والخبرات الإنسانية بالشكل الذي يأخذ بنظر الاعتبار خصوصية مجتمعنا وتجربتنا المتميزة وصولا إلي بناء أجيال جديدة متسلحة بالعلم والمعرفة ومتشربة بالمبادئ والقيم السامية ومؤمنة بأهداف الأمة العربية وتاريخها الحضاري ودورها الإنساني،ولتكون قوة فاعلة ومؤثرة في المجتمع وقادرة علي الاستمرار بحمل الرسالة والحفاظ علي منجزات ثورة 17 ــ 30 تموز وأهدافها في الوحدة والحرية والاشتراكية، وتلبية احتياجات خطط التنمية في جميع فروع المعرفة الإنسانية ومتطلبات تطوير المجتمع. كما تهدف الوزارة إلي تطوير العلاقات العلمية والثقافية والفنية مع الأقطار العربية بهدف تحقيق الانسجام والتكامل في مجالات العلم والمعرفة وصولا إلي تحقيق الوحدة الثقافية، وتوسيع وتوثيق أواصر التعاون في هذه المجالات مع الدول والمؤسسات العلمية المختلفة في جميع أنحاء العالم.

المادة ــ 3: تكون مهمة مركز الوزارة التخطيط والمتابعة للتعليم العالي والبحث العلمي وتنسيق وإقرار الخطط بعد وضعها من الجامعات وهيئة التعليم التقني وتوحيدها في خطة واحدة علي مستوي الدولة والإشراف علي حسن تنفيذها وعقد المؤتمرات العامة وإدارة شؤون المبعوثين والعلاقات الثقافية الدولية.

المادة ــ 9: الجامعة حرم امن ومركز إشعاع حضاري، فكري وعلمي وتقني في المجتمع يزدهر في رحابها العقل وتعلو فيها قدرة الإبداع والابتكار لصياغة الحياة، وتقع عليها المسؤولية المباشرة في تحقيق الأهداف الواردة في هذا القانون، وعليها ان تقوم بالدراسات والبحوث المستمرة في شتي جوانب المعرفة الإنسانية والدراسات المتصلة بالحالة العلمية وواقع الاحتياجات الجديدة التي تضمن المستويات العلـمية الرفيعة لتناسب العصر ومتـطلباته وبما يـؤدي إلي تقليص الفجوة العلمية والتقنية الموجودة بيننا وبين الدول المتقدمة مع مراعاة خصوصية مجتمعنا واستلهام القيم الأصيلة لامتنا واستيعاب كامل لنظرية العمل البعثية وتجسيد الفكر التربوي الذي تستند إليه هذه النظرية في مناهجها وأنشطتها العلمية والتربوية والثقافية المختلفة.

وبعيدا عن ورود بعض العبارات التي باتت غير ملائمة للوضع الحالي، نقول لما أنشأت الوزارة في العراق أريد بها الدفع بالتعليم وفقا لخطة مدروسة إلي الأمام. الا انه جري إغفال: ان ما يصلح لزمن ما أو لمكان ما، قد لا يصلح لغيرهما دون مراجعة وتعديل. وقد يقول قائل، لو ترك الأمر لك هل ستحل وزارة التعليم العالي في العراق؟ واذا كان الجواب بنعم، فما هو البديل؟ هل هو بإشاعة مفهوم استقلالية الجامعات؟ وهل التوقيت ملائم؟ ولماذا؟ لقد سبق لي في مقالات ثلاث (مشهد سياسي يلقي ظلاله علي التعليم العالي. صحيفة الزمان الدولية ــ العدد 3275 ــ التاريخ 22/4/2009. التعليم والدراسات المستقبلية. الصحيفة ــ العدد 3343 ــ التاريخ 11/7/2009. التحزب والمهنية يحكمان التعليم في العراق. الصحيفة ــ العدد 3387 ــ التاريخ 1/9/2009) توخي جانب من الإجابة عما سبق من أسئلة.

وهنا، سأذكر قصة بعث بها إلي صديق عزيز، وان كان جانبها الظاهر بعيدا عن التعليم الا أني أتوخي حكمة من سحبها إلي التعليم. يحكي انه قديما وفي أحد قرى الهند الصغيرة، كان هناك مزارع غير محظوظ لاقتراضه مبلغا كبيرا من المال من أحد مقرضي المال في القرية. مقرض المال هذا ــ وهو عجوز وقبيح ــ أعجب ببنت المزارع الفاتنة، لذا قدم عرضا بمقايضة. قال: بأنه سيعفي المزارع من القرض إذا زوجه ابنته. ارتاع المزارع وابنته من هذا العرض. عندئذ اقترح مقرض المال الماكر بأن يدع المزارع وابنته للقدر أن يقرر هذا الأمر. أخبرهم بأنه سيضع حصاتين واحدة سوداء والأخرى بيضاء في كيس النقود، وعلى الفتاة التقاط أحد الحصاتين.

تحليل موقف

أ ــ إذا التقطت الحصاة السوداء، تصبح زوجته ويتنازل عن قرض أبيها.

ب ــ إذا التقطت الحصاة البيضاء، لا تتزوجه ويتنازل عن قرض أبيها.

ج ــ إذا رفضت التقاط أي حصاة، سيسجن والدها.

كان الجميع واقفين على ممر مفروش بالحصي في أرض المزارع، وحينما كان النقاش جاريا، انحنى مقرض المال ليلتقط حصاتين انتبهت الفتاة ببصر حاد أن الرجل التقط حصاتين سوداوين ووضعهما في الكيس. ثم طلب من الفتاة التقاط حصاة من الكيس. الآن تخيل أنك كنت تقف هناك، بماذا ستنصح الفتاة؟ إذا حللنا الموقف بعناية سنستنتج الاحتمالات التالي:

أ ــ سترفض الفتاة التقاط الحصاة.

ب ــ يجب على الفتاة إظهار وجود حصاتين سوداوين في كيس النقود وبيان أن مقرض المال رجل غشاش.

ج ــ تلتقط الفتاة الحصاة السوداء وتضحي بنفسها لتنقذ أباها من الدين والسجن. تأمل لحظة في هذه الحكاية، إنها تسرد حتى نقدر الفرق بين التفكير السطحي والتفكير المنطقي. إن ورطة هذه الفتاة لا يمكن الإفلات منها إذا استخدمنا التفكير المنطقي الاعتيادي. فكر بالنتائج التي ستحدث إذا اختارت الفتاة إجابة الأسئلة المنطقية في الأعلى. مرة أخرى، ماذا ستنصح الفتاة؟ حسنا، هذا ما فعلته الفتاة :أدخلت الفتاة يدها في الكيس وسحبت منه حصاة وبدون أن تفتح يدها وتنظر إلى لون الحصاة تعثرت وأسقطت الحصاة من يدها في الممر المملوء بالحصي، وبذلك لا يمكن الجزم بلون الحصاة التي التقطتها الفتاة. وقالت بصوت عال: "يا لي من حمقاء، ولكننا نستطيع النظر في الكيس للحصاة الباقية وعندئذ نعرف لون الحصاة التي التقطتها". هكذا قالت الفتاة، وبما أن الحصاة المتبقية سوداء، قال الحاضرون: إننا سنفترض أن الفتاة قد التقطت الحصاة البيضاء. ولم يستطع أو يجرؤ مقرض المال على فضح عدم أمانته، وبذلك غيرت الفتاة بما ظهر أنه موقف مستحيل التصرف به إلى موقف نافع لأبعد الحدود. ان اللئيم والسفيه والضعيف والانتهازي، وكلها صفات تتغذى على واقع بائس، كلا منها بصفته، نظر إلى التعليم بدونية، فوجود تعليم عالي فاعل في بناء الإنسان العراقي لن يترك مجالا لهذه الصفات ان تنمو بشكل عثة مقرفة، وان تنهش من مستقبل البلاد، باعتبار التعليم الحلقة المتقدمة لبناء هذا المستقبل، انما التعليم الفاعل سيقضي عليها ويفرزها باعتبارها شواذ ومخلفات سيئة ورذيلة في مجتمع فاضل. هذه الصفات يمكن وصفها بالشخص المرابي في القصة أعلاه، التي تطرح السيئ بيد وتصفه، وتطرح السيئ بيد أخري وتلونه وتزينه وتختلق له الصفات لتقول انه جيد. واذا كانت قاعدة التعليم باتت تبصر السوء، فان حظ بعض القيادات منه لا زال غير مقبول، اما عن اشتراك فعلي في جرم التشويه الذي يقع به التعليم، أو عن غفلة، أو عن جهل، وكلها صفات غير مقبولة لمن ارتضي ان يتولي مسئولية (وقفوهم فإنهم مسؤولون).

اما الرجل المقترض من مستقبله، فهو المجتمع بعامة والمجتمع السياسي بخاصة، فهم يقترضون باستنزاف من مستقبل البلاد، ولا تظهر لديهم أعراض الغيرة علي ثروة الأمة، أو التحسب لذلك المستقبل، انما بات همّ اليوم قائما لدي البعض، وعند البعض الآخر همّ الأمس هو القائم، وعند البعض الثالث لا يعرف ما يريد، انما هو اقرب للدابة التي يسيرها الآخرون (ولا اقصد الجوار المقدس فحسب حتي لا ابتلي من عبدته بمعاداة...). ووجه الاستنزاف أو التغذي علي حساب المستقبل يمكن وصفها بلغة الأرقام وكالاتي:

أ ــ اذا ما عرفنا ان الطفل يمضي نحو 12 عاما في الدراسة ما قبل الجامعية، ولنرمز لها كوقت بـ T1، وبكلفة تتحملها الدولة ولنرمز لها بقيمة افتراضية هي M1.

ب ــ ثم يمضي بشبابه نحو 4 أعوام في الدراسة الجامعية الأولية، ولنرمز لها كوقت بـ T2، وبكلفة تتحملها الدولة ولنرمز لها بقيمة افتراضية هي M2.

ج ــ ثم يمضي ما تبقي من شبابه قرابة 6 أعوام في الدراسة الجامعية العليا، ولنرمز لها كوقت بـ T3، وبكلفة تتحملها الدولة ولنرمز لها بقيمة افتراضية هي M3.

د ــ واذا ما علمنا ان التعليم ما قبل الجامعي يضم نحو 4 مليون طالب.

هـ ــ وان التعليم الجامعي الأولي يضم نحو 500 ألف طالب.

ن ــ وان التعليم الجامعي العالي يضم نحو 30 ألف طالب.

م ــ ان ميزانية التربية وميزانية التعليم العالي من ميزانية البلاد عام 2009 بلغت نحو 5، مليار دولار. ستكون لدينا المعادلة الآتية (ونتائجها هي ليست حتمية بل افتراضية لأننا أخذنا أرقام مقربة وبها نسبة خطأ):

كلفة التعليم العامة= 4 مليون طالب T1 M1+ 500 الف T2 M2 + 30 ألف T3 M3

كلفة التعليم العامة = 48 مليون M1 + 2 مليون M2 + 180 الف M3

كلفة الطالب الواحد = الإنفاق العام علي التربية والتعليم / عدد الطلبة

كلفة الطالب الواحد كتقدير= 750 دولار للطالب الواحد كل عام دراسي

لكن ما العائد؟ ان العائد واضح:

ــ فشل عام في التنمية، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والبشرية.

ــ بطالة واضحة في مخرجات التعليم.

ــ عدم تطابق واسع بين احتياجات السوق من العمالة الماهرة وبين مخرجات العملية التعليمية، بمعني التركيز علي اختصاصات عفا عليها الزمن.

ــ مساهمة الوزارة قبل غيرها في إشاعة الأمية، حيث لو عمل احد ما إحصاءات بسيطة سيجد ان عدم التطابق بين اختصاص المنتسب والعمل الذي اسند إليه داخل الوزارة ومؤسساتها سيشكل فاجعة، فهو يفيد بضياع وإهدار لنحو 12 ــ 22 عاما من الدراسة.

ــ تدني عام في مخرجات التعليم، من مستويات علمية ومهاراتية للطلبة المتخرجين، ومن ضعف نوعيات ومعدلات البحث والتطوير، وضعف في مجالات الاستشارات المقدمة للمؤسسات الحكومية والخاصة، ضعف الارتباط بخدمة المجتمع.

ــ عدم اعتراف حكومي عام بتلك المخرجات، وما يجري اعتماده ليس لرأي علمي، رغم وجوده، انما لاعتبارات الحسب والنسب والانتماء، وما إلي ذلك...

سؤال العائد، يعيد طرح السؤال إلي الصيغة التالية: لماذا نصرف علي التعليم ان كنا لا نريده، بدلالة عدم الرغبة بمخرجات جيدة؟ هل هو غباء المخطط؟ ام غباء متخذ القرار؟ ام غباء المنفذ؟

ان تجارب الشعوب تعطينا حكم. فالولايات المتحدة تعطينا حكمة بفتح ابواب جامعاتها علي الطلبة الأجانب، فهي تأخذ من بلدان عالم الجنوب خبرات جاهزة، لا تصرف عليهم ضمن الإنفاق ما قبل التعليم العالي المكلف، وبذلك تحصل علي ثروات سنوية، فالاستثمار في البشر ثروة لا تنضب، وهذه الثروات لم تكن بحاجة سوي إلي التنظيم والرعاية السياسية والعلمية. وهكذا هي تأخذ عن كل إنسان متعلم يدخلها من بلداننا قرابة 16 ألف دولار (وهو بالأصل إنفاق عبثي بالنسبة لنا). اما بالنسبة إلي المرأة الشابة في القصة أعلاه، والتي وعت اللعبة التي مارسها العجوز الماكر، فانها مولود تكاد في ذهن البعض لم تلدها بطن عراقية بعد، وان ولدتها فانه لا يستبعد خيار تصفيته من قبل الصفات السابقة (لئامه، سفاهة، ضعف، انتهازية) كما حاربوا الكفاءات التي زخر وتباهي بها العراق يوما، وعزلوها أو اجبروها علي الانعزال عن العملية التعليمية، وفتحوا باب الفساد العلمي والتربح غير المشروع (الذي ما فتأت الوزارة تبرر مشروعيته عن طريق عدم القيام بدورها في المحاسبة والرقابة)، وفتحوا باب تسييس الجامعات، وكل صفة سلبية، علي مصراعيه. أقول هذا والعين تدمع لما تقرأ المادة 4/ من قانون الخدمة المدنية لسنة 2008، وتقول سلاما سلاما علي الشهادة والتخصص واللقب العلمي، كلما وجد من يدير عملية تعليمية، من غير أهلها. الآراء السابقة تدعونا إلي طرح مسالة مبررات وجود وزارة وضروراته، طالما ان هناك قصور في عملها بين الجانب النظري والعملي، وان متطلبات إدارة تعليم فاعل في عصر الثروة المعلوماتية ومجتمع المعلومات، ومجتمع عالمي ومحلي انفتح علي العولمة بتسارع. في التحليل العلمي، هناك مبررات تدعو للقول ان بقاء الوزارة يحقق فوائد عدة منها:

1 ــ التنظيم والتنسيق: فمن الصعب ان يكون للعراق إدارات تعليم عالي بعدد الجامعات الموجودة، واذا كانت الثقة غائبة في الحكم علي التصرف السليم الذي قد تتبعه بعض الجامعات وهو ما أكدته مخرجات ما بعد عام 2003 من وجود علاقة بين من يعلن حمله شهادة دكتوراه مصدقة وبين أميته، فانه علينا ان نعرف ان البشر لن يتفقوا علي فكرة إنسانية واحدة، لهذا هناك مبررات بوجود جهة واحدة منظمة للتشريعات والتعليمات، حتي لا يحيد التعليم عن مبتغاه.

استقلالية الجامعات

وهناك من يقول من تحت الوسادة، ويذكر ان عراق اليوم غير مستقر، وان غطاء التعليم الواحد اذا ما رفع فسوف نري بأم العين ما جري إخفاءه من عيوب، وأولها ان الصراعات والقوة القسرية هي التي ستسود، وسيقضي كل طرف قوي علي أي صوت عاقل يحاول ان يبني جامعة علمية، فالجامعة للذي يعتبرها نزهة أو ترف أو مصدر لاعطاءه مكانة، ستكون ذات قيمة عالية للصراع علي إدارتها من قبل الصفات أعلاه.

2 ــ العراق بلد حديث عهد علي مفهوم استقلالية الجامعات: فلا ننسي ان المراقب الأمريكي علي التعليم عام 2003 كان قد اقر استقلالية الجامعات ابتداءا إلا انه انتهي إلي وجود صعوبات في تحقق ذلك، فالجامعات لم تعرف الاستقلالية منذ سبعينيات القرن الماضي، واغلب من عمل فيها من بين أعضاء هيئة التدريس الحاليين لم يعيشوا استقلال الجامعة العلمي عن الوزارة. فهذا أمر يدعو إلي التريث لحين تراكم الخبرة العلمية اللازمة لإعطاء هذه الاستقلالية مداها، وهو لا يفيد بالتجاوز عليها.

3 ــ وهناك مبرر آخر، وهو ما يمكن تسميته بعقدة التمويل: فالتعليم في العراق لا زال يخضع لتمويل الحكومة، وبالتالي تري الحكومة ان من حقها الإشراف علي أعمال الجامعات، وضمان عدم تبديد الثروات. هل وصل التعليم إلي مرحلة الخرقة المثقبة، والتي لا تستطيع الاحتفاظ بالماء (العملية التعليمية ومدخلاتها ومخرجاتها)، فكلما جري ترقيع ثقب ظهرت ثقوب، كون الخرقة من الأساس بالية؟ هذا سؤال يطرح، ويجيب عليه منتقدوا اعتماد تلك المبررات بالقول انها باتت تبدو غير منطقية، بل وغير عقلانية. لماذا؟

ظروف وضرورات إلغاء وزارة

ان الواقع يدحض ما سبق، حيث تبطل تلك المبررات، وتقدم ضرورات تؤيد الحاجة إلي إنهاء، بل والي إلغاء الوزارة، ومنها:

1 ــ ضاع العلم وتسيدت الإدارة: وان كان هذا الطرح مبرره ان الوافدين والدخلاء علي التعليم وحملة الصفات السلبية السيئة السابقة الذكر هم المؤثرين علي اغلب قرارات العملية العلمية، بقصد إضعاف العلم وبالتالي إنهاء أي مبرر لانتقادهم، الا ان التسيب في القرار المسئول (بمعني عدم وضوح ومراجع له في إطار إستراتيجية علمية) كان له دور في تسيد هؤلاء والصفات السلبية، علي نحو جعل البت في المسائل العلمية يخضع لروتين بيروقراطي ظاهري، ولمزاجيات الإدارة العراقية التي تغلب صفات التغالب والتكالب والانانية والتشريف، وتعتبر المنصب ملك شخصي وليس تكليف ومسؤولية عامة. وساجد مثلا لحياة لي تماس معها، حيث يجبر 12 تدريسيا علي الحضور اليومي وبدوام كامل، وليس لهم أجمعين من مكان سوي غرفة واحد بقياس 20 م2، وليس لأغلبهم أي مهام علمية نتيجة سوء وفساد علمي بالتوزيع للتكليفات. فهل هذا يعطي انطباع عن وجود جو أكاديمي علمي؟

2 ــ ان القول بعدم استطاعة الجامعة الاستقلالية عن الوزارة محض افتراء زائف. فلما خضع العراق للمحاصصة وزعت مناصب الجامعات كحصص سواء برضا الوزارة ام بخلافه. ودليلنا ان إقالة أو نقل أو تعيين بعضا من القيادات الجامعية هي خارج قدرة مقر الوزارة، وكنا في الأمس القريب أمام حالة غريبة علميا في واحدة من جامعات القطر العريقة. وتزداد المؤشرات ان قدرة الوزارة علي فرض رأيها علي الجامعات مسالة فيها نظر، والاهم من ذلك ان الجامعة الواحدة (مع اعترافن ان المسالة نسبية) باتت تحوي تحزبات أو جماعات انتفاعية انتهازية حولتها إلي شكل اقرب إلي الاندنسة (من دولة اندنوسيا التي تشتهر بكونها دولة جزر من قرابة 20 ألف جزيرة)، حيث كل قسم (في بعض الجامعات) عصائب تفبرك الأمور العلمية علي وزارة غائبة، وجامعة ضائعة، وكلية يتصارع عليها حزبان أو أكثر، والكل متفق علي عدم فتح الأوراق الموجودة في المجرات خشية ان تفتح عليه هو ذاته أوراق أخري يزداد الضغط من اجل البت فيها وفي أسباب تعطيل نهوض التعليم. بمعني آخر، اذا كانت الوزارة تتحكم بخطة وشروط القبول، في الدراسات الأولية والعليا، فان الاختصاصات والصلاحيات الأخري هي اقرب إلي المياه الراكدة والتي باتت تحمل ما يسوء، فهي راكدة تحتضن الأمراض التي تنمو ولا تهيأ جوا طبيعيا، وان حرك أحدا ما المياه فان رائحتها ستزكم الأنوف لمن بالجوار، فكيف الحال لمن هو بالداخل؟

وهل يمكن ان يعيش طالب بشكل طبيعي داخل هذه البيئة؟ أو ان يتعلم أمور صحية تجعله سوي في بيئة مجتمعية وسياسية هي أساسا تحتضن غير السوي؟ والأمر السابق لنطبقه علي الأكاديميين فكيف سيكون وضعهم؟ ان النبات المثمر الذي ينمو في أشعة الشمس يأخذ مظهره الطبيعي، اما اذا وضع في الظلمة فان أطرافه تنمو مشوهة لكي تصل إلي الضوء، ولن تثمر أبدا.

3 ــ ونخلص مما تقدم إلي القول ان دور الوزارة في التنظيم والتنسيق والرقابة غائب واشد ما يخشي هو حدوث تواطؤ بين المركز والتفرعات، تحت تأثير التحزبات، التي أشاعت مفهوم الولاءات والمناصرات الجانبية، بحكم كون أو وجود ثنائيات المنصب ــ الحزب ضمن علاقة دالة، ويزداد الأمر سوءا اذا لم يجري تغييرها، فكل من يخضع لها بات يرشح ويعلي من شان أتباعه في الايدولوجيا، بمعني ان التحزبات باتت تهيأ أرضية لتعيد إنتاج وتوليد نفسها بشكل دائم في الحرمات الجامعية وربما سنشهد نشوء أقسام وكليات عائلية (تحت سيطرة أفراد من عائلة واحدة) علي غرار أقسام وكليات تسيطر عليها تلك الثنائيات الفئوية؛ بسبب استمرار غياب الدور الرقابي للوزارة. وصدق القول اذا ما دخلت السياسة من باب، فان العلم سيخرج من الشباك، فلا نرجو علما من شخص همه وأولويته العمل السياسي، فالعلم والأكاديمية والكلية والجامعة لن تكون الا مطية بيده (أو هكذا يجري تسويقها) ومحطة احتياط بديلة في يده، اذا ما ساء الوضع السياسي وتعذر التوسل بالسياسة لتولي منصب ما.

التعليم العالي

4 ــ ان من الضرورات التي تدعو إلي إلغاء دور الوزارة في نظر المؤيدين لهذا الطرح، هي ما يتعارف عليه العالم اليوم، ان لكل جامعة خصوصيتها العلمية والفلسفية. فاليوم لا توجد في العراق الا جامعة حكومية واحدة بها أكثر من نسخة (أسماء مختلفة)، فهي جامعات وزارة، وهي واحدة مختلفة التسميات فقط، فما الفرق ان يحص المرء علي شهادة بكالوريوس هندسة من جامعة البصرة وبكالوريوس هندسة من جامعة الموصل أو من جامعة بغداد؟ واذا ما جري السؤال هل يوجد فرق في فلسفات الجامعات العراقية وأهدافها، لا اعتقد ان الجواب سيبتعد عن النفي.

تمنيت، وهذا رأي شخصي، ان يكون لدينا فرع لجامعة السوربون، وفرع للجامعة الأمريكية، وآخر لجامعة هارفرد، وآخر لجامعة درم... وتمنيت ان لا تنزل الجامعة إلي مستوي الواقع الذي يضخه التعليم ما قبل الجامعي، بمعني ان تقبل الجامعة مخرجات مؤسسات التربية بما عليها من غبار ومثالب، انما تفرض كل جامعة اشتراطاتها (ليس بالمعدل فحسب)، وبذلك تسحب الواقع إلي الأمام قليلا. وتذكري هنا ما قامت به جامعة السوربون في ثمانينات القرن الماضي، عندما لم تقبل علي مدي سبعة أعوام متتالية في احد التخصصات السلوكية أي طالب دكتوراه، رغم ان المتقدمين إليها هم من جنسيات مختلفة، وذلك لأنهم لم يصلوا إلي شروط ومتطلبات ما تريده جامعة تريد حفظ اسمها وتقديرها. فهل نصل إلي ذلك في ظل قيادات تقول بضرورة تحقيق نسب نجاح عامة لأسباب يستطيع أي قارئ للمقال من الإجابة عليها؟ وفي ظل التبرير الذي لا زال يظل بتداعياته الثقيلة؟

حلول يمكن طرحها

ولمعالج المعضلات في أعلاه، يمكن وضع عدة أسئلة تشكل الإجابة عليها من قبل المتحكمين بالقرار السياسي للعملية التعليمية بابا للحل. وأول الأسئلة هو: اين الحل يا تري؟ اذا ما علمنا ان العملية التعليمية محكومة في إطار لعبة شعرة معاوية بين الجامعة والوزارة، وان التعليم يعاني، ولا احد ينكر ذلك، هل هو بحل وزارة التعليم العالي؟ أم بإعادة النظر بالجامعات؟

ان القول بحل الجامعة غير ممكن فهي جهة تنظيمية أكثر حساسية لإعطاء هوية مميزة، ورغم التلاعبات التي تحدث داخل أروقة وفي ثنايا بعض من الجامعات والاستقطابات التي تحدث داخلها، الا انه يمكن التحكم بعمل الجامعات أو إعادة توجيهها، تحت طائل التمويل أولا في الجامعات الحكومية، وربط ذلك تحت طائل تطبيق معايير الجودة، فاذا لم تلتزم الجامعات بمعايير الجودة يجري معاقبتها؛ ولا اتحدث عما يفرض اليوم من معايير يجري في أحيان تبريرها (ولا نتوقع ان يقول أحدا علي نفسه انه يفتقر للجودة) انما ان يسند أمر البت بالجودة إلي هيئات أكاديمية غير عراقية. يبقي لدينا اذا واقع الوزارة، وبعض دول العالم لا تملك بالفعل وزارة للتعليم بالهرم والحجم والتخصصات والتدخلات القائمة في العراق.

واذا كان حل الوزارة ممكن فما البديل؟

ان الواقع يفض خيارين في حالة الاتجاه إلي حل الوزارة:

الأول منهما يقوم علي فكرة تشكيل مجلس اتحاد الجامعات العراقية، بعضوية رؤساء الجامعات، ومنسقية صغيرة الحجم، ويمكن ان تكون المنسقية هي اللجنة البرلمانية المعنية بالتعليم. ويقوم الاتحاد باختيار عميده ورئيسه علي أساس الاقدمية من بين رؤساء الجامعات، بسلطة بروتوكولية فحسب.

والثاني، هو حل الوزارة من الأساس، وجعل عملها التنسيقي والرقابي بيد لجنة التعليم في البرلمان العراقي، وترتبط بها الجامعات باعتبارها وحدات مستقلة تقاس بدورها الوطني، علي غرار المفوضية المستقلة للانتخابات، مؤسسة الشهداء...

لكن، هل هو جعل لجنة التعليم في البرلمان مشرفا ومنسقا لمجلس إدارة الجامعات العراقية، او منسقا لأعمال الجامعات العراقية حل عملي ممكن؟

دعونا نتذكر، إنما هلك السابقون لأنهم كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، حيثما وجد

دعونا ندعو لا لا للجهل، وقبله لندعو لا لا لتعليم يدعو إلي الجهل، حيثما وجد لنحارب أمية التعليم وان بكلمة، لنحارب تحزب التعليم وان بكلمة، حيثما وجد لنحارب وان بكلمة كل ما من شانه ان يسهل علي الجهل ان يقود التعليم، وان ندعو إلي وضع التعليم في مكانه باعتباره طريقا يهدي للبناء الإنساني (اهدنا الصراط المستقيم).

 

المصدر : جريدة (الزمان) الدولية

أرسل لصديق

إطبع المقال