الأردن سوريا لبنان فلسطين العراق الكويت السعودية عُمان اليمن البحرين الإمارات قطر مصر السودان ليبيا المغرب الجزائر تونس جيبوتي الصومال جزر القمر موريتانيا
 

بحث:

 

العنف في الجامعات الأردنية والفلسطينية..قراءة من نوع اخر/ د.صلاح عودة الله

 

10 آيار 2010

من منا لم يسمع عن أحداث العنف التي حدثت في جامعة النجاح الوطنية في مدينة نابلس في الاونة الأخيرة، وعن مقتل طالب جامعي على يد زميل له في حرم جامعة البلقاء التطبيقية في الأردن قبل أيام خلت..انها أحداث مؤسفة ومخزية تقشعر لها الأبدان، خاصة وان مفتعليها هم الشريحة الأهم في مجتمعاتنا..انهم طلبة الجامعات.

لا أريد الدخول في تشريح أسباب العنف الجامعي، وانما أريد وضع النقاط على الحروف لظاهرة يقف على رأس هرمها جيل سيكون له الدور الريادي والقيادي في صنع مستقبل أمة بأكملها. ظاهرة العنف الجامعي ليست عرضية وما حدث في الفترة الأخيرة في جامعتي النجاح والبلقاء يعتبر امتدادا لأعمال عنف شهدتها نفس الجامعات وجامعات أخرى في البلدين الشقيقين، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، أحداث العنف التي وقعت في جامعة النجاح الوطنية بين طلبة منتمين الى حركة حماس واخرين منتمين الى حركة فتح في تموز عام 2007 م، والتي أدت الى مقتل أحد الطلبة، وكذلك أحداث العنف التي حدثت في جامعتي الاسراء واليرموك عام 2006 وغيرها من الجامعات الأردنية.

وسأتطرق الى وضع الجامعات الحالي وفي الماضي في الأردن وفلسطين المحتلة: الوضع في الجامعات الأردنية:منذ عقدين من الزمن تقريبا تحولت الجامعات الأردنية الى مؤسسات يسيطر عليها الصراع العشائري وما يترتب عليه من عنف بين أبناء القبائل والحمائل، وهذا الأمر لم يأت من فراغ..من المعروف بأن أقدم جامعة في الأردن هي الجامعة الأردنية، ومن بعدها انضمت اليها العديد من الجامعات الحكومية والخاصة.

في سبعينيات القرن المنصرم، وان كانت العشائرية هي المسيطرة، الا أن الفكر القومي اليساري كان صاحب النفوذ الأكبر من ناحية فكرية وهذا ما لوحظ في الجامعات من خلال المناقشات التي كانت تدور بين الطلبة، وقد اتسمت هذه النقاشات بالواقعية وكانت مبنية على مبدأ"اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية". وبعد انتشار التيارات الاسلامية وازدياد نفوذها مع مرور الزمن، لاحظنا هذا الأمر أيضا في الجامعات، فانضمت هذه التيارات الى غيرها من التيارات التي كان لها النفوذ الأقوى، لكن لم تكن هنالك أعمال عنف بسبب تعدد أوجه الفكر وما تبعه من نقاشات بين الطلبة وما يحملونه من أفكار، والنتيجة هي أن الحكومة لم تكن راضية عن ازدياد نفوذ المد الاسلامي وتياراته في معظم مرافق الحياة ومنها الجامعات.

وهنا بدأت الأجهزة الأمنية بعد أن أخذت الضوء الأخضر من الأجهزة الرسمية الحكومية بملاحقة ومعاقبة الطلاب الجامعيين الذين يحملون الفكر القومي اليساري والاسلامي، وظنت هذه الأجهزة بأنها ستنجح في سياسة قمعها هذه، وحتى يكون نجاحها أكبر، قامت بدعم وتوسيع نفوذ العشائرية والقبلية في الجامعات، ولكن الرياح جرت بما لا تشته السفن، أو كما يقال"على نفسها جنت براقش"، فمن جهة ازداد نفوذ التيارات العشائرية وهذا ما أرادته الأجهزة الرسمية والأمنية، ومن جهة أخرى تقف هذه الأجهزة عاجزة عن وقف أعمال العنف وما تبعها من تراجع أخلاقي وأكاديمي وثقافي يعصف بكافة الجامعات، وسببه الوحيد والأوحد هو ازدياد النفوذ العشائري في هذه الجامعات، ونلاحظ اثاره السلبية في المجتمع وعلى جميع الأصعدة. الوضع في الجامعات الفلسطينية:يختلف وضع الجامعات الفلسطينية عن شقيقاتها الأردنية بسبب الاحتلال الصهيوني، فحتى توقيع اتفاقية أوسلو سيئة السمعة والصيت، كنا نلاحظ وحدة طلابية وطنية وان كانت هنالك اختلافات في وجهات النظر بسبب الانتماءات الحزبية والفصائلية، لكن مواجهة العدو كانت هي القاسم المشترك. حتى بداية الانتفاضة الفلسطينية الأولى سيطرت القوى الوطنية على الساحة الفلسطينية، وبعدها ازداد نفوذ التيارات الاسلامية وخاصة منذ نشأة حركة حماس في أواخر عام 1987 وهي المرحلة التي انطلقت فيها الانتفاضة، ومنذ هذا الوقت وحتى توقيع أوسلو، سادت الوحدة الوطنية بين جميع القوى الوطنية والاسلامية، فالكل كان مشغولا في أمر واحد وهو كيف بالامكان مقارعة العدو وانجاح الانتفاضة..

وبعد وصول الانتفاضة الى ذروتها وفشل العدو في قمعها، جاءت اتفاقية أوسلو لتخمدها ولتضرب الوحدة الوطنية الفلسطينية وكان للعدو ما أراده. ازداد نفوذ التيارات الاسلامية مع الزمن حتى أن حماس فازت فوزا ساحقا في الانتخابات التشريعية عام 2006 وهذا الأمر لم يرض به الصهاينة ولا حتى سلطة أوسلو، الى أن بدأ نزيف الدم الفلسطيني وانفصال ما تبقى من الوطن الى منطقتين منفصلتين جغرافيا وسياسيا، غزة والضفة الغربية..كل ما أسلفت أثر وانعكس على الوضع في الجامعات الفلسطينية، فغابت شمس الوحدة الوطنية فيها، وبدأ الاقتتال بين الطلبة، وظهرت النعرات بينهم على خلفية أصلهم وجذورهم"فلاح ومدني"، وازدادت حدة العنف في الجامعات، وتم اختراق الطلبة من قبل العدو تماما كما نجح هذا العدو في اختراق التنظيمات الفلسطينية المختلفة، وهنا نضيف الأسباب الأخرى لظاهرة العنف وهي نفس الأسباب التي وجدت ولا تزال في الجامعات الأردنية( نظرة غريبة من طالب الى اخر، ملاحقة الطالبات وغيره من الأسباب)..وفي المحصلة، انعكس الوضع في الجامعات على المجتمع الفلسطيني برمته بصورة سلبية وعلى جميع الأصعدة، ناهيك عن ويلات الاحتلال. ان ظاهرة العنف الجامعي تعتبر من أخطر الظواهر التي قد تعصف بأي مجتمع، فالجامعات وجدت وأسست لتلقي العلم وبالتالي لتخريج طلبة يحملون شهادات في كافة المجالات، ليقوموا بدورهم في بناء مجتمع حضاري متقدم يسابق المجتمعات الأخرى ليكون هو الأفضل والأرقى، نعم هذا ما نرجوه من الجامعات ومن خريجيها، ولكن وللأسف اننا نلاحظ بأن الجامعات ومع مرور الزمن وعدم وضع حد لهذه الظاهرة الفتاكة، لم تعد مجرد ساحات للعنف فحسب انما"معاهد تفرخ القتلة وتصدر ثقافة الكراهية" كما وصفها أحد الاخوة الكتاب، وتخرج افواجا من المتعصبين والمحبطين.

نكرر بأن ظاهرة العنف الجامعي تعتبر من أخطر المظاهر التي تعصف بالمجتمعات، ومن هنا نشاهد ان موضوع العنف في الجامعات يلقى اهتماما كبيرا من شرائح المجتمع المختلفة على خلفية المشاجرات التي تحصل بين الطلبة بين فترة لأخرى وبغض النظر عن الأسباب، فالعنف لا يولد الا العنف وبالتالي سنشاهد وقد شاهدنا بالفعل اثاره السلبية على الطالب وعشيرته ومجتمعه وجامعته. لا يوجد بريء في ظاهرة العنف الجامعي، فالطالب متهم وأهله كذلك، والجامعة متهمة ووزارة التربية والتعليم كذلك، هذه الوزارة التي تمثل السلطة التنفيذية والتي بدورها من المفروض أن تقوم بتنسيق الأمور مع السلطة القضائية. عندما يقوم طالب جامعي بإستخدام سلاحه أيا كان نوعه في حرم الجامعة فهذا يعني اما أن يكون متخلفا عقليا، أو أن يكون واثقا تماما من قدرته على فعل ذلك والنجاة بدون حسيب أو رقيب، والاحتمال الثاني هو الأصح، والا فانه لن يجرؤ على القيام بفعلته الشنيعة هذه، انه يقوم بذلك وكأن الحرم الجامعي هو امتداد للفناء الخاص بمنزل ذويه حيث باستطاعته فعل ما يشاء، وعندما تتدخل العشائرية ويقوم هذا الطالب بطلب النجدة، فعلى الفور نشاهد مجموعة من الملثمين تدخل الجامعة للمشاركة في المشاجرات منتهكة حرمة الحرم الجامعي، فهذا يعني أنهم يعتبرون الجامعة امتدادا للشارع والحي الذي يحكمه منطق القوة والفتوة لا القيم والأخلاق الأكاديمية الجامعية..انها فعلا شريعة الغاب ليس الا.

ومن هنا نلاحظ بأننا نتحدث عن أزمة مجتمع جامعي بكل مركباته من الإدارات إلى الأساتذة الأفاضل المنهمكين في أبحاثهم ومحاضراتهم عن الهم الوطني ومصالحه العليا، إلى الطلبة الذين يندمجون في تجمعات عشائرية وطائفية وحزبية وفئوية ضيقة بدلا من الاستفادة من الفرص المتاحة لهم في المعرفة والتطور وتنمية شخصيتهم والاتصال الايجابي بمكونات المجتمع الأخرى، ولهذا فإن علاجها لا يكون بمعاقبة الطلبة فقط، بل بايجاد حلول جذرية لهذه الأمراض الفتاكة. اننا نلاحظ بأن ادارات الجامعات التي شهدت ساحاتها مشاجرات وأحداث عنف لم تتعامل مع هذه الأحداث كما يجب، فنراها قد ركزت على التحقيق مع المتشاجرين وايقاع العقوبات بدون بذل أي جهد حقيقي وصادق لمعرفة وتحديد أسباب هذه المشاجرات والظروف والعوامل المهيئة لها، وبالتالي تعاملت بمنطق من يكنس الأوساخ ويضعها تحت السجادة بدلا من تنظيفها نهائيا. كان من الواجب أن تقوم ادارات الجامعات بابلاغ ذوي الطلبة المشاغبين وفصلهم نهائيا من الجامعات وتبليغ الجهات الأمنية..المطلوب عدم التهاون وانزال أقسى العقوبات بحق من يشاغب لكي يكون عبرة لغيره، وكذلك نطالب السلطة التنفيذية بأن تقوم بدورها المرجو منها، والتقليل من الدور العشائري القبلي المسيطر، فلا يعقل أن نرى سلطتين تنفيذيتين في ان واحد،الأقوى بينهما هي السلطة العشائرية..لا مانع من الاستعانة برجال هذه السلطة ولكن الكلمة الأولى والأخيرة يجب أن تكون في يد سلطة القانون المتمثلة في سلطة الدولة. وحتى نتمكن من الوصول الى حالة من الوعي التي تمنع ظواهر العنف أو على الأقل التقليل منها وتترك للقانون المدني السلطة الكاملة والمطلقة للتعامل مع الجرائم، فان التنسيق بين الشخصيات العشائرية والسياسية ذات الثقل الاجتماعي ووجهاء المناطق ووزارة الداخلية والأمن العام لهو أمر مطلوب. ملفات العنف الأخيرة في جامعتي النجاح والبلقاء وكالعادة ستغلق قريبا، وسيتم ايقاع العقوبة ببعض الطلاب و"القوات الداعمة" التي قدمت من الخارج، ولكنني على ثقة تامة بأن العد التنازلي لمشهد عنف اخر سيبدأ، -فانها استراحة محارب ليس الا-،

والذي من الممكن أن يكون سببه معركة انتخابية، أو نظرة لم تعجب طالب ما من زميل له، أو بسبب نظرة الى طالبة فابتسامة فشتيمة فضربة، ثم تحويل الحرم الجامعي الى ساحة حرب يستخدم فيها ما يتوفر من سلاح، من الحجر مرورا بالسلاح الأبيض وحتى الأسلحة النارية. نقول، اذا كان هذا حال من هم من طبقة المتعلمين الذين يعول عليهم ان يكونوا قادة المستقبل، فما هو حال من لم يصلوا الى الجامعات؟. ان المناخ الجامعي ان بقي ملوثا كما هو عليه اليوم، وان لا يتم تنظيفه من تلوثه وعلى وجه السرعة، فان الطلاب الجامعيين سيتحولوا الى مجموعة من العصابات والتكتلات التي تجوب شوارع الجامعة ولا تستطيع تحقيق ذاتها إلا من خلال المشاجرات والعنف، فأي مستقبل ينتظر هؤلاء الطلبة وأي مجتمع سيكون ذلك المجتمع الذي سيحوى مثل من هم على شاكلتهم..أعانهم الله، وأعاننا عليهم وأعان مجتمعاتنا المستقبلية. نعم لحياة جامعية بناءة، لا للعنف الجامعي بكافة أشكاله..ولنتذكر دوما:"العلم يبني بيوتا لا عماد لها**والجهل يهدم بيت العز والكرم".


 

المصدر : د. صلاح عودة الله-القدس المحتلة

أرسل لصديق

إطبع المقال