الأردن سوريا لبنان فلسطين العراق الكويت السعودية عُمان اليمن البحرين الإمارات قطر مصر السودان ليبيا المغرب الجزائر تونس جيبوتي الصومال جزر القمر موريتانيا
 

بحث:

 

تمويل البحث العلمي من أموال الزكاة / د‏.‏ علي جمعة‏

 

18 تموز 2010

يعد البحث العلمي نقطة البداية الصحيحة للعرب والمسلمين حتى يضعوا أقدامهم مرة أخرى في خريطة العالم‏,‏ ويشاركوا بحضارتهم في بناء الحضارة الانسانية الحديثة‏,‏ في وقت يحتاج العالم فيه الى منهج البحث الإسلامي‏.

والي تراث المسلمين‏,‏ وطريقة تفكيرهم‏,‏ وتجربتهم في استيعاب الحضارات‏,‏ والسبيل الي كل ذلك هو إحداث نهضة في مجال البحث العلمي الإسلامي ليكون امتدادا حقيقيا لعلوم المسلمين الأوائل ومظهرا للصلة بين أصالة السلف ومعاصرة الخلف‏.‏

والإسلام يحرص دائما علي مواصلة العلم والتطور ويقف ضد التحجر والجمود‏,‏ فالعقل المسلم والثقافة الاسلامية أخرجا أوروبا من ظلمات القرون الوسطي الي أنوار العلم والمعرفة‏,‏ وأفرزت الأسس المنهجية للتفكير العلمي القائم علي البحث والملاحظة والتجريب المعتمد علي القياس والتدرج من الجزئيات الي الكليات‏,‏ وصولا الي النظريات العلمية وغيرها من الأسس العلمية التي كان للمسلمين فيها فضل السبق‏.‏

ولكن هذه النهضة لا تتحقق ولن تتحقق‏,‏ إلا من خلال تقدم العلوم والإبداع ورعاية الموهوبين‏,‏ ودعم البحوث والدراسات في جميع المجالات بما يعود بالخير والنفع علي الأمة العربية والإسلامية‏,‏ ولهذه الأهمية التي أولاها الإسلام للعلم تنزلت أول آية من القرآن تأمر بالقراءة والعلم‏:(‏ اقرأ باسم ربك الذي خلق‏)‏ العلق‏:1.‏

ومن جهة أخري‏,‏ حرصت الشريعة الإسلامية علي التوزيع العادل للثروات‏,‏ ولم يرد الإسلام ان يكون المال دولة بين الأغنياء‏,‏ ولذلك وردت الشريعة في الأموال بحقوق واجبة وأخري مستحبة‏,‏ ومن أهمها الزكاة‏,‏ التي هي ركن من أركان الإسلام الخمسة‏,‏ وحددت الشريعة لها نصابها ومقدارها ومصارفها‏.‏

وقد حدد القرآن الكريم مصارف الزكاة الثمانية في قوله تعالي‏:(‏ إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم‏)‏ التوبة‏:60.‏

وفي المصرف السابع للزكاة‏(‏ وفي سبيل الله‏)‏ قال أكثر العلماء علي انه يراد به الجهاد‏,‏ أي أنه يصرف في سبيل الله‏,‏ فيجهز به الجيش من عتاد ورواتب للمقاتلين وغير ذلك من المستلزمات الخاصة به‏.‏

وهناك رأي آخر ـ وهو رأي الموسعين من العلماء ـ يقول أن الكلمة عامة‏,‏ وأن سبيل الله في الأصل هو كل أمر يوصل الي مايحبه الله‏,‏ فأدخلوا في ذلك كثيرا من الأعمال الخيرية‏,‏ مثل بناء المساجد والمدارس‏,‏ وعمل القناطر‏,‏ وإصلاح الطرق التي يحتاج اليها المسلمون وكذلك دعم الدعوة والدعاة الذين ليس لهم قدرة علي ان يتكفلوا بالدعوة‏,‏ وأدخلوا في ذلك أيضا نشر العلم‏,‏ وقالوا‏:‏ هذه كلها داخلة في سبيل الله‏,‏ فإذا لم يوجد من يتبرع لها‏,‏ فإنه يمول صاحبها من الزكاة‏.‏

ففي تفسير الإمام الفخر الرازي عند تفسير مصرف‏(‏ وفي سبيل الله‏)‏ ما نصه‏:‏ واعلم أن ظاهر اللفظ في قوله‏(‏ وفي سبيل الله‏)‏ لا يوجب القصر علي كل الغزاة‏,‏ فلهذا المعني نقل القفال في تفسيره عن بعض الفقهاء أنهم أجازوا صرف الصدقات الي جميع وجوه الخير‏..‏ لأن قوله‏(‏ وفي سبيل الله‏)‏ عام في الكل‏(‏ التفسير الكبير‏90/16).‏

وقال الإمام الكاساني الحنفي‏:‏ وأما قوله تعالي‏:‏ وفي سبيل الله فعبارة عن جميع القرب‏,‏ فيدخل فيه كل من سعي في طاعة الله وسبيل الخيرات إذا كان محتاجا‏(‏ بدائع الصنائع‏45/2).‏

ونقل الإمام ابن قدامة الحنبلي عن أنس بن مالك والحسن رضي الله عنهما ما نصه‏:‏ ما أعطيت ـ أي من الزكاة ـ في الجسور والطرق فهي صدقة ماضية‏(‏ المغني‏323/6).‏

وبالقياس علي هذه المفردات وحيث أصبح البحث العلمي في العصر الحالي في غاية الأهمية والضرورة لنهضة العرب والمسلمين‏,‏ فإنه يكون من فرض الكفاية علي الأمة‏,‏ وواجب علي كل قادر من العرب والمسلمين‏,‏ أن يقوموا بدعم ذلك من خلال تمويله من أموال الزكاة المفروضة‏,‏ باعتبار البحث العلمي أحد أوجه مصارف الزكاة والذي يدخل تحت المصرف السابع للزكاة وهو‏(‏ وفي سبيل الله‏)‏ وهو الأمر الذي يعلي كلمة الإسلام‏,‏ ويقوي شوكة المسلمين‏,‏ وينزع عنهم شوائب الجهل والتخلف‏,‏ ويرفع من شأن الأمة الإسلامية والعربية بين الأمم بعد ان تخلفت بسبب الجمود الفكري والتصحر الثقافي‏,‏ وذلك بالمقارنة بالأمم الأخري التي كنا يوما نسبقها في جميع المجالات والعلوم‏.‏

كذلك يمكن دعمه بالصدقات التطوعية‏,‏ مما يرجو به المسلم والمسلمة ثواب الله ـ سبحانه وتعالي ـ فضلا عن التصدق من وصايا أموات المسلمين مما خصصوه للخير‏,‏ وبالدفع من ريع الأوقاف وعوائدها‏.‏

ومن هنا كان أخذ الزكاة في مجالات البحث العلمي جائزا شرعا‏,‏ وذلك علي مذهب الموسعين‏,‏ وذلك لدعم المؤسسات التي تتبني تشجيع البحث العلمي والأكاديمي ودعم نشاطها والتوسع فيه وتكرار تجربتها‏,‏ بل هي من أولي المصارف حينئذ بالدعم من أموال الزكاة‏,‏ كما يجوز قبول الصدقات لأغراض تلك المؤسسات‏,‏ حيث إن الصدقة أمرها واسع‏,‏ فهي جائزة للغني وللفقير‏,‏ والمسلم وغير المسلم‏.‏

لقد أصبح من الضروري ان يدرك المشتغلون بالعلم الواقع ادراكا صحيحا‏,‏ وأنه لابد من معرفة الفرق بين الشخصية الطبيعية والشخصية الاعتبارية‏,‏ والفرق بين فقه الأمة وفقه الأفراد‏,‏ وطريقة الاختيار الفقهي سواء كان من جهة رجحان الدليل‏,‏ أم من جهة مراعاة المصلحة‏,‏ أم بالانتقاء في كل مسألة علي حدة من الفقه الإسلامي الواسع الموروث بما فيه اجتهاد من السابقين مع القيام باجتهاد جديد في المسائل المحدثة‏,‏ وأنه لابد من مراعاة الزمان والمكان والأشخاص والأحوال حتي نحقق المصالح ولا نخرج عن المقاصد الشرعية‏.‏

 

المصدر : جريدة الاهرام المصرية

أرسل لصديق

إطبع المقال